محمد جواد مغنية
89
في ظلال نهج البلاغة
الهجرة : ( والهجرة قائمة على حدها الأول ) . كانت الهجرة واجبة في عهد رسول اللَّه ( ص ) وما زالت على حكمها اليوم والى آخر يوم . . وان صح حديث « لا هجرة بعد الفتح » فهو محمول على الهجرة من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة ( ما كان للَّه في أهل الأرض إلخ ) . . اللَّه غني عن العالمين ، وعن معصية من عصاه ، وطاعة من أطاعه سواء أعلن طاعته في دار الإسلام ، أم أسرّها خوفا وتقية في بلاد الكفر . سبب الهجرة : ( لا يقع اسم الهجرة على أحد إلا بمعرفة الحجة في الأرض ) . وفي بعض طبعات النهج سقطت « الا » ولا يستقيم الكلام إلا بها . والمراد بالحجة في الأرض من يحتج اللَّه به غدا على المقصرين في معرفة الدين أصولا وفروعا معصوما كان ، أم عالما تقيا ، أما سبب الهجرة فهو واحد من اثنين : الأول : أن يكون المسلم عارفا بأحكام دينه ، ولكنه لا يستطيع ممارستها والقيام بها ، لأنه يقيم في بلد كافر ، ولا حرية فيه للأديان ، وقد أمر النبي ( ص ) جماعة من أصحابه بالهجرة الأولى إلى الحبشة فرارا من الاضطهاد ، وخوفا ان يرتد بعض المسلمين عن دينهم بسبب الضغط والتعذيب ، وتطلق على هؤلاء كلمة المستضعفين ، وأيضا أمر النبي آخرين من الصحابة بالهجرة الثانية إلى المدينة المنورة ، فهاجروا ، ولحق هو بهم بعد ذلك توقعا لحياة أفضل للإسلام والمسلمين . السبب الثاني : أن يكون المسلم جاهلا بالدين وأحكامه ، ولا يجد من يرشده في البلد الذي يقيم فيه ، فيجب عليه ، والحال هذه ، أن يهاجر لطلب المعرفة بما هو مكلف به من أصول الدين وفروعه ، ان استطاع إلى ذلك سبيلا . وعليه فمن عرف العالم بدين اللَّه ، وأخذه عنه مباشرة أو بالواسطة ، واستطاع أن يمارسه ، ويقوم بأحكامه كاملة - فلا تجب الهجرة عليه ، بل له أجر من هاجر في سبيل الدين وإن كان مقيما ، وهذا هو المراد من قول الإمام : ( فمن